المقريزي

18

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

حارب اللّه لرغبة في دنيا ولا طلب للاستثكار منها ، إلّا أنّ اللّه - عزّ وجلّ - قد أحلّ لنا ذلك ، وجعل ما غنمنا من ذلك حلالا ؛ وما يبالي أحدنا إن كان له قنطار من ذهب أم كان لا يملك إلّا درهما ، لأنّ غاية أحدنا من الدنيا أكلة يأكلها يسدّ بها جوعه لليله ونهاره ، وشملة يلتحفها ، فإن كان أحدنا لا يملك إلّا ذلك كفاه ، وإن كان له قنطار من ذهب أنفقه في طاعة اللّه ، واقتصر على هذا الذي بيده ويبلغه ما كان في الدنيا ، لأنّ نعيم الدّنيا ليس بنعيم ورخاءها ليس برخاء ، إنّما النّعيم والرّخاء في الآخرة . وبذلك أمرنا اللّه « a » ، وأمرنا به نبيّنا وعهد إلينا ألّا تكون همّة أحدنا من الدنيا إلّا ما يمسك جوعته ويستر عورته ، وتكون همّته وشغله في رضاء ربّه وجهاد عدوّه . فلمّا سمع المقوقس ذلك منه ، قال لمن حوله : هل سمعتم مثل كلام هذا الرّجل قطّ ؟ لقد هبت منطره ، وإنّ قوله لأهيب عندي من منظره ، إنّ هذا وأصحابه أخرجهم اللّه لخراب الأرض ، ما أظنّ ملكهم إلّا سيغلب على الأرض كلّها . ثم أقبل المقوقس على عبادة بن الصّامت فقال له : أيّها الرّجل الصّالح ، قد سمعت مقالتك وما ذكرت عنك وعن أصحابك . ولعمري ما بلغتم ما بلغتم إلّا بما ذكرت ، وما ظهرتم على من ظهرتم عليه إلّا لحبّهم الدّنيا ورغبتهم فيها . وقد توجّه إلينا لقتالكم من جمع الرّوم ما لا يحصى عدده ، قوم معروفون بالنّجدة والشّدّة ، ما يبالي أحدهم من لقي ولا من قاتل ، وإنّا لنعلم أنّكم لم تقدروا عليهم ، ولن تطيقوهم لضعفكم وقلّتكم . وقد أقمتم بين أظهرنا أشهرا وأنتم في ضيق وشدّة من معاشكم وحالكم ، ونحن نرقّ عليكم لضعفكم وقلّتكم وقلّة ما بين أيديكم ، ونحن تطيب أنفسنا أن نصالحكم على أن نفرض لكلّ رجل منكم دينارين دينارين ، ولأميركم مائة دينار ، ولخليفتكم ألف دينار ، فتقبضونها وتنصرفون إلى بلادكم قبل أن يغشاكم ما لا قوام لكم به . فقال عبادة بن الصّامت : يا هذا لا تغرّن نفسك ولا أصحابك ، أمّا ما تخوّفنا به من جمع الرّوم وعددهم وكثرتهم وأنّا لا نقوى عليهم ، فلعمري ما هذا بالذي تخوّفنا به ، ولا بالذي يكسرنا عمّا نحن فيه . وإن كان ما قلتم حقّا فذلك واللّه أرغب ما يكون في قتالهم ، وأشدّ لحرصنا عليهم ، لأنّ ذلك أعذر لنا عند ربّنا إذا قدمنا عليه ؛ إن قتلنا عن آخرنا ، كان أمكن لنا في رضوانه وجنّته ، وما شيء أقرّ لأعيننا ، ولا أحبّ لنا من ذلك . وإنّا منكم حينئذ لعلى إحدى

--> ( a ) فتوح مصر : ربّنا .